محمد بن جرير الطبري

65

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عما نهاكم الله عنه . لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يقول : فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله ، وأديتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي يركبه أو يحاول ركوبه ، والأخذ على يديه إذا رام ظلما لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك ، ولا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى فيه . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب ، لأن الله تعالى أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط ويتعاونوا على البر والتقوى ؛ ومن القيام بالقسط : الأخذ على يد الظالم ؛ ومن التعاون على البر والتقوى : الأمر بالمعروف . وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ ولو كان للناس ترك ذلك ، لم يكن للأمر به معنى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك ، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة فيكون مرخصا له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه . وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى ، فبين أنه قد دخل في معنى قوله : إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب ، من أن ذلك : إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده : اعملوا أيها المؤمنون بما أمرتكم به ، وانتهوا عما نهيتكم عنه ، ومروا أهل الزيغ والضلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف ، وانهوهم عن المنكر ؛ فإن قبلوا فلهم ولكم ، وإن تمادوا في غيهم وضلالهم فإن إلي مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم ، وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر ، فأخبر هناك كل فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا ثم أجازيه على عمله الذي قدم به علي جزاءه حسب استحقاقه ، فإنه لا يخفى علي عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ الشهادة على الوصية يقول تعالى ذكره للمؤمنين به : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ يقول : ليشهد بينكم إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ يقول : وقت الوصية . اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يقول : ذوا رشد وعقل وحجا من المسلمين . كما : حدثنا محمد بن بشار ، وعبيد الله بن يوسف الجبيري ، قالا : ثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، في قوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ قال : ذوا عقل الشهادة على الوصية . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقال بعضهم : عنى به : من أهل ملتكم الشهادة على الوصية ذكر من قال ذلك : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : شاهدان ذوا عدل منكم من المسلمين الشهادة على الوصية . حدثنا عمران بن موسى القزاز ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر ، في قوله : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ من المسلمين الشهادة على الوصية . حدثنا ابن بشار وابن المثني ، قالا : ثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، في قوله : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الشهادة على الوصية قال : اثنان من أهل دينكم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن أشعث ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، قال : سألته ، عن قول الله تعالى : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال : من الملة الشهادة على الوصية . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، بمثله ، إلا أنه قال فيه : من أهل الملة . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الشهادة على الوصية قال : من أهل الملة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حسين ، عن زائدة ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، قال : سألت عبيدة ، فذكر مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن مهدي ، عن حماد ، عن ابن أبي نجيح ، وقال : ثنا مالك بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ،